أجيال بقلم دكتور اشرف الكواكبي
ليه اتغيرنا؟
وأنا راكب العربية النهاردة، شدّني موقفين بسيطين لكن فيهم حكاية أجيال كاملة.
ركبت مع راجل كبير في السن، كان مشغل إذاعة البرنامج العام، وبيسمع أم كلثوم. حسيت إني راجع لورا عشرات السنين، لصوت بيطبطب على الودن، بيهدّي الأعصاب، وبيفكرني إن في زمن مش بعيد، كان الناس فيه بتتكلم بهدوء، وبتحترم اللي حواليهم.
بعدها ركبت مع شاب في العشرينات. الصوت في العربية كان صاخب، مهرجانات وموسيقى زاعقة كأنها طالعة من قلب الزحام مش من سماعة. قولت له بهدوء: “لو سمحت، وطي الصوت شوية.” رد ببجاحة: “ده ميكروباص مش تاكسي يا عم.”
وقفت مع نفسي لحظة، وقلت:

الراجل الكبير ممكن يكون ماخدش تعليم عالي، بس اتربى… اتربى على الاحترام، على الذوق، على سماع الناس.
أما الشاب، يمكن يكون معاه شهادة جامعية، لكن واضح إنه ماخدش تربية… أو على الأقل اتربى في زمن اتغيرت فيه المعايير.
بقينا في مجتمع بيشوف الفهلوة شطارة، والنصب ذكاء، والبلطجة رجولة. بقينا نقول على المحترم إنه “تعبان”، وعلى المهذب إنه “مش بتاعنا”.
أما اللي صوته عالي، وبيكسر القواعد، و”ماشي شمال”، فهو “فهد المولد”، سيد الرجالة.
فين راحت “الحارة”، مش المكان… الحارة اللي فيها الجار للجار، والناس للناس، والأدب شرف؟
فين خوخة اللي كانت بتدي من غير ما تسأل، والجدعنة اللي كانت بتسبق المصلحة، واللمة اللي كانت بتتعمل من غير مواعيد ولا دعوات مسبقة؟
طول عمرنا كنا فقراء، لكن كنا جدعان.
الجدعنة مش محتاجة فلوس، محتاجة تربية.
والأخلاق مش موضة، دي أساس.
نفسي نرجع حارتنا… مش بالبيوت، لكن بالناس.