شبح يهدد الكيان الأسرى
الخُلع .. ما له وما عليه فى قانون الأحوال الشخصية
تعديل قانون الخُلع لوقف استسهال الطلاق
رجال لا يُطَلقون زوجاتهم حتى يخسرن ويتنازلن عن حقوقهن
المستشار محمد خضر: قضايا الخلع تضمن حق للزوجة المظلومة وتمنحها فرصة للحصول على حريتها.
ناجى سيد ناجى محامى بالنقض: قضايا الأسرة تخطت حدود المعقول .. نسبة الطلاق والخلع زادت بشكل كبير.
الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: الخلع مشروع وثابت بالقرآن والسنة والإجماع.
الدكتورة سهير كامل، أستاذ الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الجنائية: نسبة النساء الرافضات للزواج من رجل مخلوع بلغت أكثر من 61%.
كتبت/ رشا عز ونوران أشرف
حالات طلاق وخُلع متعددة تشهدها القاعات السرية بمحاكم الأسرة، ومكاتب فض المنازعات بين الأزواج، شبح يهدد الكيان الأسرى. ويوجد من يؤيد هذا القانون ومن يلعن ما فيه ويستهين به، ما بين ظالم ومظلوم، ولكن تبقى القضية فى زمام حياة تائهة بين المطلقات. وظهرت فى الآونة الأخيرة قانون يختلف عليه رجال الدين والدولة وانتشر بنسبة كبيرة بعد تفعيله، ألا وهو “قانون الخُلع”، الذى مهد لنسبة كبيرة من السيدات طلب الخُلع وتمكَّن منه بالفعل. فقد ترتب على هذا القانون مساوئ حياة هتكت بأُسر كاملة وأدى إلى الانهيار فى نفوس أولادهم، خاصة وأن أغلب الأزواج يسافرون للخارج ويتناسون أن وراءهم أسرة وزوجة وأبناء، ويكتفون فقط بإرسال مبالغ مادية لهم شهرياً أو كل فترة على اعتبار أنها حجة كافية للتغيب، ولكن الزوجة والأبناء يكونون فى احتياج نفسى وعاطفى أهم من الغربة من أجل الحصول على المال.

كان هناك اعتقاد بأن هذا القانون غير موجود فى الشريعة الإسلامية، لكنه ذُكر فى سورة البقرة، الآية 229: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
فقد أشارت البيانات الإحصائية التى أصدرها الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن هناك ارتفاعاً مخيفاً فى عدد حالات الطلاق والخُلع، إذ بلغت العام 2017 نحو مليون حالة مع انخفاض عقود الزواج، مضيفة أن أغلب القضايا بسبب “الخُلع”. وبلغت عدد عقود الزواج 912 ألفاً و606 عقود فى 2017، مقابل 938 ألفاً و526 عقداً عام 2016، بنسبة انخفاض قدرها 2.8٪. فى حين بلغ عدد إشهادات الطلاق 198 ألفاً و269 إشهاداً عام 2017، مقابل 192 ألفاً و79 إشهاداً عام 2016، بنسبة زيادة قدرها 3.2٪، وفق المصدر ذاته.
كما بلغ عدد أحكام الطلاق النهائية 9364 حكماً عام 2017، مقابل 6305 أحكام عام 2016، بزيادة قدرها 48.5٪ من جملة الأحكام. وسجلت أعلى نسبة طلاق بسبب الخلع، حيث بلغ عدد الأحكام بها 7199 حكماً بنسبة 76.9٪ من إجمالى الأحكام النهائية (9364 حكماً). وسجلت أقل نسبة طلاق بسبب “الخيانة الزوجية” حيث بلغ عدد الأحكام بها 3 أحكام تمثل 0.03٪ من جملة الأحكام النهائية. وتذكر الإحصاءات والبيانات الرسمية أن حالة طلاق واحدة تحدث كل 4 دقائق فى مصر، فيما وصلت حالات “الخُلع” عبر المحاكم أو الطلاق إلى أكثر من ربع مليون حالة.
كما أكدت الإحصاءات أن قضايا الخُلع بلغت نحو 1896 قضية فى 5 محاكم فى عام 2018 ما بين محاكم الأسرة فى 6 أكتوبر، وإمبابة، وزنانيرى، ومصر الجديدة، ومدينة نصر، ومحكمة زينهم. وبذلك فإن قضايا الخُلع فى المجتمع محصورة فى استحالة العشرة والظروف الاقتصادية وسوء اختيار شريك الحياة.
قانون الخُلع بدأ تفعيله فى مصر فى عام 2001، ونص القانون بأن “الخُلع فى القانون المصرى هى دعوى ترفعها الزوجة المسلمة أو المسيحية فى حالة عدم التراضى بينها وبين زوجها على الطلاق، وتتنازل بمقتضاها عن جميع حقوقها المالية الشرعية”.
دعاوى الخُلع تمر بأكثر من مرحلة وهى:
أولاً- التقدم بطلب تسوية لمكتب تسوية شئون الأسرة، حيث إن الخُلع من الدعاوى التى يجوز الصلح فيها والتى يشملها قانون محكمة الأسرة ومن ضمن الدعاوى التى جعل اختصاصها محلياً لمحكمة الأسرة. لذا، فإنه عند إقامة دعوى خُلع لابد من أن تتقدم الزوجة بطلب إجراء التسوية أمام مكتب تسوية شئون الأسرة المنصوص عليها فى قانون محاكم الأسرة بالمادة 6 من القانون، ومتى تم تقديم الطلب إلى مكتب التسوية يتم إخطار الزوج بمعرفة مكتب التسوية للحضور فى موعد معين تعلمه الزوجة، وتحضر هى بشخصها ويتم محاولة التوفيق بين الطرفين فإن انتهت التسوية بقبول الزوج للخُلع تم إقرار ذلك وشموله بالصيغة التنفيذية وانعقد الخلع صلحاً بين الطرفين وتنتهى إجراءات التقاضى وإن لم يقبل الزوج وأيضاً رفضت الزوجة العدول عن مطلبها تم إحالة الأمر إلى المحكمة لتنظر الدعوى.
ثانيًا- تسجيل عريضة الدعوى بجدول محكمة الأسرة: ترفع دعوى التطليق للخُلع بموجب صحيفة تودع قلم كتاب محكمة شئون الأسرة، طبقاً للإجراءات المعتادة المنصوص عليها بالمادة 63/1 من قانون المرافعات. ويجب أن تورد بها كل البيانات المنصوص عليها فى قانون المرافعات وتثبت بها أنها تبغض الحياة الزوجية مع زوجها ولا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما، وأنها تخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض وتثبت أيضًا أنها تتنازل عن كل حقوقها المالية والشرعية وأنها ترد عليه مقدم صداقها الذى أعطاه لها، كما تثبت فى عريضة دعواها رقم التسوية التى أقامتها الزوجة وتطلب فى طلباتها بنهاية الصحيفة، الحكم بتطليقها على زوجها خلعاً طلقة بائنة.
من جانبه قال المستشار محمد خضر، إن هذا القانون يضمن حق الزوجة المظلومة ويمنحها الفرصة للحصول على حريتها، وألا تعيش فى حياة مجبرة عليها، ولكن هذا للزوجة المظلومة فعلاً، لأن بعض الزوجات يأخدن هذا القانون طريقة ليحصلن على ما يريدوا من أزواجهم .
وأشار ناجى سيد ناجى محامى بالنقض، إلى أن قضايا الأسرة تخطت الحدود المعقولة، فنسبة الطلاق والخُلع زادت بشكل كبير، فيما زادت نسبة امتناع الآباء عن الإنفاق على أبنائهم وزوجاتهم، ويرفض الأزواج حتى دفع المصاريف المدرسية.
وقال عبد الرحمن إسماعيل محامى بمحكمة الأسرة، إلى أن قضايا الخُلع تظل لفترات طويلة قد تصل إلى 6 أشهر دون مصدر دخل، تصبح فيها المرأة مكسورة الجناح، وتنتظر بعدها أمام بنك ناصر الاجتماعى تعانى من الروتين لصرف المبلغ المقرر لها والذى لا يكفى لإعاشتها وأولادها فى ظل ارتفاع الأسعار وسداد المصروفات المدرسية وخلافه.
رأى الدين
أكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الشأن الإسلامى لا يتحدث فيه إلا الأزهر الشريف، مشيراً إلى أن الخُلع مشروع وثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وذلك بقول الله تعالي: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، إذ أجمع العلماء فى تفسير هذه الآية بأن آليات الخُلع تتمثل فى ألا تُسأل المرأة المختلعة عن سبب رغبتها فى الخلع، لأنها أسرار أمر الله بسترها، بالإضافة لضرورة إسناد الأمر للزوج، لكن إذا تعسف، سيطلق القاضى فى هذه الحالة للضرر.
رأى علم النفس
ترى الدكتورة سهير كامل، أستاذ الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الجنائية إلى أن قانون الخُلع رغم أنه ساهم فى رفع المعاناة عن النساء، وأطلق حريتهن، فإنه قد قيد حرية الرجل المخلوع، وكانت نسبة النساء الرافضات الزواج برجل مخلوع بلغت أكثر من 61% فى عينة الدراسة التى أجرتها. وأضافت د. سهير بأنه لم يكن هناك اعتقاد بوجود آثاراً نفسية قد أحاطت بهذا القانون فور إطلاقه ولم يكن من المتوقع أن يظهر متغيرات قد تلحق بالرجل المخلوع وتفقده الاعتبار وتغير نظرة المرأة إليه، وأعتقد أن الرجل يفقد اعتباره وربما جزءاً من رجولته إذا لم يطلق زوجته بإرادته، فإذا خلعته المحكمة من زوجته، قد يتعرض هذا الزوج لصعوبات فى الارتباط بالزواج من أى إمرأة أخرى لهذا السبب.
وفى لقاء لـ(شارع الصحافة) مع بعض المطلقات والحاصلين على “خُلع” كان الحوار التالى:
تقول منى تزوجت وسنى 21 عاماً من رجل فى الخمسينيات وأنجبت منه بنت بعد عشر سنوات، وعندما كبرت ابنتى تبين لى أنه يخطط لتزويجها من شقيق زوجته الأولى (مدمن خمر)، وحين علمت بنيته الخبيثة طلبت منه الطلاق فرفض ووصلت المسألة إلى درجة إهانة ابنتى وسبابها بأفظع الألفاظ دون أسباب، فقررت أن أُقيم عليه دعوى خُلع، وخلال أربعة أشهر استعدت حريتى، واحتضنت ابنتى، وأعيش الآن حياة سعيدة.
وتسرد صفية قصتها مع زوجها الذى طلبت منه الخُلع بعد عقد القران، قائلة: عندما طلبت الخلع كنت لا أزل فى منزل أهلى حيث تم عقد القران ولم انتقل إلى منزله، ولم نقيم حفل زفاف، لكننى لمست من تصرفاته وعباراته التى استخدم فيها التهديد والوعيد بأنه سيذلنى ويربينى من جديد عندما انتقل إلى منزل الزوجية، إضافة إلى عدم ارتياحى للعديد من تصرفاته فطلبت الخُلع وطلب منى استرداد المهر وتسليمه كافة الهدايا التى أهداها لى خلال فترة ارتباطى به.
أما كريمة عبد الغنى فقد أكدت بأنها عانت من المعاملة السيئة من زوجها وصلت إلى حد التعذيب والإهانة، ولم أجد سبيل للعيش فى كرامة وإنسانية إلا طريق الخُلع بعد رفضه للطلاق، فقد كان يصطنع الخلافات والمشاكل التى كان لها تأثير سلبى على أطفالنا، وتركت كل ما تملك لكى تستريح وتحصل على حريتها، وقالت أنها لا تندم على عشرة زوجها بل تتأثر بفراق أولادها وتغير مفهومهم عن العلاقة الزوجية بينهما.
يرى أحمد عمر الذى يبلغ 37 عاماً موظف، أن الأخلاق تغيرت لدى المجتمع، وأن استخدام القانون بطريقة خاطئة سبب مهم فى ارتفاع حالات الخُلع، ونظرة المجتمع للمرأة المطلقة أصبحت سيئة، بالعكس فالمرأة التى تحمل لقب مُطلقة ليس عيباً ولها مطلق الحرية فى اتخاذ هذا القرار حتى ولو بعد فترة قصيرة من الزواج.
وأضاف أحمد بأن هذا القانون له سلبياته وإيجابياته، فهناك بعض الزوجات استفادت من هذا القانون خاصة الزوجات المظلومين والذين عانوا الحياة مع أزواجهم، ومن الملاحظ أن بعض الأشخاص المتعلمين والأكثر رقياً هم من استخدموا هذا القانون بشكل خاطئ، وأيضا المغالاة فى كتابة قائمة المنقولات الزوجية لها عامل كبير فى انتشار ظاهرة الطلاق والخُلع نظرا لإحساس الزوجة بأن هذه القائمة بمثابة سيف مسلط على رقاب الأزواج، فهناك الكثير من الأزواج تم حبسهم بسبب تلك القائمة.
ويرى محمد محسن (39 سنة)، موظف، أن القانون هو السبب الرئيسى فى ارتفاع نسبة الطلاق والخُلع وتشتت الكثير من الأسر، لأن المرأة تستخدم هذا القانون بطريقة خاطئة، فأصيحت الزوجة تريد أن تنهى العلاقة الزوجية لأى سبب فتقول لزوجها (هخلعك).